ثقوب في الضمير: نظرة على أحوالنا .. رواية جديدة لأحمد عكاشة عن دار الشروق

عن دار الشروق

ثقوب في الضمير: نظرة على أحوالنا

تأليف: أحمد عكاشة

سنة النشر: 2008

نبذة: طبعة جديدة مزيدة من كتاب الطبيب النفسي المصري الشهير الدكتور أحمد عكاشه “ثقوب في الضمير: نظرة على أحوالنا…” والذي يتناول فيه بالتحليل التغيرات الكبيرة التي حدثت للمجتمع والإنسان المصري في الآونة الأخيرة. ويلقي بالضوء على عدد من المواضيع المثيرة مثل التشريح النفسي للشخصية المصرية، والضمير العام، والانتماء، وعلاقة المصريين بأمريكا، وعلاقتهم بالإعلام والإدمان، والعلاقة بين الجنسين في مجتمعنا، وحال الشباب، ومواضيع أخرى كثيرة ومثيرة يقدمها د. عكاشه بأسلوبه الموضوعي الجذاب. والدكتور أحمد عكاشه أحد أهم أطباء علم النفس في العالم وهو رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، وأستاذ الطب النفسي، كلية الطب، جامعة عين شمس، ورئيس الجمعية العالمية للطب النفسي السابق. ألّفَ أكثر من سبعين كتابًا باللغة العربية والإنجليزية منهم أربعة مراجع في الطب النفسي وعلم النفس الفسيولوجي، ونشر أكثر من ثلاثمائة وأربعين بحثا علميا في المجلات العلمية العالمية والمحلية. وقد حصل على جائزة الدولة التقديرية في الإبداع الطبي من أكاديمية البحث العلمي عام 2000.
الطبعة: 2
عدد الصفحات: 246
المقاس: 19.5*13.5
ISBN: 9-2153-09-977
رقم الايداع: 1993/4789

خزانة شمائل .. رواية جديدة من الدار المصرية اللبنانية للكاتب صلاح معاطي

خزانة شمائل

رواية للكاتب صلاح معاطى الرواية حائزة على جائزة احسان عبد القدوس لعام2005
والكاتب صلاح معاطى غنى التعريف له عدة جوائز منها جائزة الكتاب الاول مجلس الاعلى للثقافة فضلا عن 7 جوائز اخرى
ما ابدعه صلاح معاطى فى الروايه اوحى لنا بها
تدور احداث الرواية عن عصر المماليك فى ظل السلطان بن برقوق عن شدة الظلم والفقر وساعدنا الكاتب به وصفه لتخيل هذا الظلم الشديد والفقر والاستبداد والقهر خزانة شمائل عبارة عن اسم السجن الذى الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود
وساعدنا بوصفه للسجن لتخيل ما وقع على السجناء من ظلم وقهر وتعذيب
حيث اسوار السجن العالية حيث الظلام ليلاً ونهاراً حيث الرمل المفروش حيث اصوات السواط التى تتداوى اصواته بين اذن السجناء كانها برق واهات السجناء وصوت المسجون يخرج منه ويرجع اليه بعد دقائق
وتدور الرواية عن جمال الدين الذى سجن وظلم وتدور عن فقد الزوج والابن وتوحى لنا بان الداخل منها مفقود والخارج مولود وان خرج ليكون احداهما ان يكون منتقم هائج او يكون لاشىء ينتظر موته
وتتسم الرواية بسردها الوصفى الذى يجعلنا نتعايش مع احداثها البطولية

فصل من رواية “الباخرة كليوباترا” لمحمد معروف.. تصدر قريبا عن ميريت

الفصل الثامن
( يرويه الأمير أنور عرفان عثمان اغلو)

كنت في صغري اتعلم علي يد شيخ يحفظني القرآن و يعلمني بعض امور الدين. و في يوم روي علي حديث: ” ارحموا من الناس ثلاثة‏:‏ عزيز قوم ذل، وغنى قوم افتقر، وعالما بين جهال‏” و دمعت عينيه للحظة. كنت ساعتها في الرابعة عشر من عمري و كنت علي استيعاب لما يجري من امور حولي. كان الشيخ يرثي لحالي و لحال الأسرة التي ينقض حكمها الطويل و العريق للبلاد. و سرعان ما انتهت السلطنة و بقيت الخلافة.. الا ان الأمور كانت تسير الي الأسوأ.. و بالفعل و في 3 مارس 1924 تم طرد الخليفة عبدالمجيد الثاني و معه كل اعضاء الأسرة المالكة من امبراطورية اجدادهم.. لقد انتهي عهد العثمانين.. انتهي حكم العائلة التي انتمي اليها..
و انفرط عقد العائلة التي كانت تستعمر كل بقعة في اسطنبول.. و خلف خليفة المسلمين (سابقا) اخذنا والدي الي فرنسا، حيث سكنا في بيت صغير في وسط باريس. كنا وقتها اسرة سعيدة، اخذ الله منها السلطة و الغني، لكنها ميسورة الحال و كل افرادها في افضل حال. كانت امي لاتزال علي قيد الحياة، و اخي الأكبر مازالت الدماء في عروقه حارة. أفتتح ابي تجارة له في وسط باريس.. كان كل شئ علي مايرام حتي سقطت امي فجاءة. لقد انقض عليها السرطان حتي تركها جثة هامدة.. لم تمر السنة حتي انقلب حال الأسرة تماما. لقد تدهور حال ابي و تدهورت تجارته بشكل كبير. و كان الأنهيار الأقتصادي لعام 1929 هو الضربة القاضية.. صحيح ان فرنسا كانت من اقل الدول تضررا، الا ان الضربة كانت قاصمة لكثير من التجار و منهم ابي. و مرغمين تحت وطأة الدين انتقلنا من بيتنا الجميل الي شقة ضيقة في احدي الضواحي الفقيرة بباريس. كانت اسرتنا في اسوأ حالاتها.
و في يوم من الأيام، كان ابي نشيطا علي غير العادة.. عاد من الشارع و معه طعام الأفطار.. أعد لنا الأفطار، فتح البلكون و أدخل طاولة صغيرة الي داخلها..
- هيا.. هلم فليأت كل منكم بكرسيه.. لنتناول الأفطار هنا في الشمس..
كان الدهشة بادية علي وجوهنا، الا ان اخي بايزيد هو من نطق..
- خيرا يا ابي.. تبدو سعيدا..
هز ابي رأسه مغتبطا..
- اظنني كذلك..
و اخذنا كراسينا و اجتمعنا ثلاثتنا حوله، انا و بايزيد اخي الأكبر و عاتكة اختي الصغري. افطرنا في هدوء. أخيرا تكلم..
- تعرفون ان ابي هو السطان مراد الخامس.. لكن هل تعرفون من كان الجد المشترك بيني و بين والدتكم؟
- السلطان محمود الثاني..
قلناها في نفس واحد.. انه تاريخ العائلة..
- انها حفيدته من ابنته الأميرة نهال..
هكذا اكمل بايزيد في بساطة.. ربت ابي علي ركبته في سرور.. ثم اطلق مفاجأته..
- و هل تعرفون انه قد اهدي ابنته الأميرة نهال مجموعة مجوهرات ثمينة من اربع ماسات نادرة.. اصغر واحدة منها تبلغ 45 قيراطا في حين تتجاوز الكبري 60 قيراطا..
و كانت مفاجأة
- و هل تعرفون ان هذة المجموعة لا تقدر بثمن لأنها كانت ضمن مجموعة مجوهرات علي باشا التبدليني..
- صاحب ماسة صانع الملاعق.. تلك الماسة المهولة بقصر توبكابي..
- انه هو.. لو يذكر احدكم اي شئ عنه سيعلم ان علي باشا هذا كان قد تمرد علي السلطنة، لذلك قام السلطان محمود بالقضاء عليه و تمت مصادرة كل ممتلكاته و منها مجموعات مجوهراته.. ماسة صانع الملاعق ذهبت الي الخزينة الأمبراطورية..
- و ..
- و مجموعة الماسات الأربع اهداها الي ابنته نهال.. و لذلك تعرف المجموعة بأسم مجموعة الأميرة نهال..
قام اخي مذهولا و قد ذهبت الدماء من وجهه
- و بالطبع هذه المجموعة تساوي الكثير..
- لا تقدر بثمن..
- و اين هي؟
- لما كانت امك هي الأبنة الوحيدة للأميرة نهال فمن طبيعة الأمور ان تؤول لوالدتك..
- و اين هي اذن؟
هز كتفيه في ضيق
- كانت في قصرنا بأسطنبول، ضمن مجوهرات والدتك، حتي قامت الحرب العظمي..
اعتري وجه اخي تعبير عصبي قوي
- و ماذا حدث بعد ذلك؟
- أختفت..
- أختفت !!!!
- نعم.. اختفت كما اختفت عائلة نازريان..
- نازريان.. الأرمن الذين كانوا يخدمون في القصر..
هز ابي رأسه مؤمنا.. بدا العجب علي أخي
- لكني كنت كبيرا في الوقت الذي تركنا فيه آل نازريان.. كنت في الثامنة عشر من عمري.. لا اذكر ذكركم لموضوع السرقة هذا..
- مجموعة الأميرة نهال كانت سرا نخفيه عن الكثير من العائلة العثمانية خوفا من مطالبة بعض ورثة السلطان بنصيب في المجوهرات.. مابالك لو علم اوغاد تركيا الفتاة.. لو ابلغنا بسرقة هذه المجموعة، كانوا سيقبضوا علي آل نازاريان و يستردون المجموعة الماسية، لكن المجموعة كانت ستذهب الي خزينة الدولة دون شك.. لذلك ابقينا موضوع السرقة سرا بيننا انا و امك..
- ماذا؟ و تركتم هؤلاء الأرمن الأوغاد يفرون بممتلكاتكم..؟
- بالطبع لا.. كلفت معارفي في الشرطة و ذوو النفوذ لتتبع آل نازريان حتي اصل اليهم بنفسي و استرد الماسات.. لكن الأمر كان في غاية الصعوبة.. لقد آتي شهر يونيو بسرعة..
- و ماذا حدث في يونيو؟
- في 29 مايو 1915 أمر طلعت باشا رئيس الوزراء ببدء التهجير الأجباري للأرمن من الأناضول.. و فجأة اصبح الأرمن في كل بقعة علي الطريق.. و لم يعد البحث عن اسرة ارمينية هاربة شيئا ممكنا وسط هذا الحشد الرهيب من الألاف من الأرمن النازحين..
نظرت اختي اليه في حسرة
- و هكذا انتهت قصة مجموعة الأميرة نهال..
- حتي هذا الصباح..
اخيرا نطقت انا..
- و ماذا حدث هذا الصباح؟
- كنت اتحدث مع جاك ابن مسيو رينالد.. صاحب مكتبة الكتب القريبة.. كان جاك هذا مجندا حتي وقت قريب ضمن القوات الفرنسية بالشام.. كنت اتحدث معه عندما امسك فكه فجأة.. و ذكر ان احدي ضروسه تؤلمه.. و تمني لو وجد طبيبا يداوي ضرسه يكون في مهارة الدكتور الأرميني الذي عالجه في حلب. ثم تذكر موقفا كوميديا حدث له مع احد العاملين بالعيادة، ارميني يدعي نازريان..
و اتسعت أعيننا في ترقب..
- طلبت منه وصف ذلك النازريان.. و عندما وصفه لي، لم يكن لدي شك في انه فانو نازريان.. الأبن الأكبر لتلك العائلة السارقة..
كانت الحماسة قد تملكت أخي و أختي، لكن حماسة العثمانين هذه كانت اقل كثافة في دمائي، لذلك كانت تغمرني الشكوك بسرعة.. لكني صرحت بها في حياء
- اذا؟
نظر ابي الي غاضبا
- اذا.. اذا اسافر من غدي الي حلب هذه و اخذ ماساتنا من هؤلاء الأوغاد..
خفضت رأسي خجلا
- و ما الذي يدفعهم الي اعادتها اليك.. لو كان بنيتهم اعادتها لما سرقوها اول الأمر.. هل لديك دليل يدفع السلطات هناك لأجبارهم علي أعادة الماسات المسروقة؟
و اسقط في يد والدي، و كأنما لم يخطر بباله شئ من هذا القبيل.. لقد وجد آل نازريان، اذا لقد عادت اليه ماساته.. لقد نسي، في غمرة فرحته، انه لم يعد لديه نفوذ الأمير العثمانلي..
و هنا قام بايزيد.. كانت عينيه صارمتين قويتن، ظهره مفرود و رأسه عالية، كما يليق بسلسيل اسرة السلاطين..
- لن تذهب انت يا ابي.. انا من سيذهب..
- لكن كيف ستحصل علي المجوهرات..
- سأحصل عليها هكذا..
و قبض يمناه في شده..
كان بايزيد فخر الأسرة العثمانلية.. كان بطلا في المبارزة.. و كان ليشارك في اولمبياد برلين 1916 لولا ان قامت الحرب العظمي، و في اولمبياد انتورب 1920 لولا استبعاد تركيا من الأشتراك شأنها شأن الدول المنهزمة في الحرب الأخيرة.. كان أخي رجلا قويا الي حد بعيد.. كان لا يظهر قوته هذه في اي مكان يتواجد فيه، كأمير ذو رباية عالية، لكنه كان يعرف انها هناك ليستخدمها حين الحاجة.. و من منظره بدا ان وقت الحاجة اليها قد اتي..

**********************

و بالفعل سافر اخي الي حلب اوائل العام 1930..
و هناك وجد انه قد اقدم علي اكبر حماقة في حياته.. او هكذا قال في خطابه الأول لنا..

” .. اكبر حماقة في حياتك ان تأتي الي مكان لا تعرفه و لا تعرف ما تبحث عنه بالضبط.. لا احد هنا في حلب يعرف طبيب اسنان بأسم استيبان.. يبدو ان الجندي الفرنسي هذا لم يذكر الأسم جيدا كما تذكر اسم نازريان.. لكني استطعت ان استعين بتاجر من اصل تركي وجهني الي مشفي لطبيب يدعي آصادور الطونيان هو من قدامي الأرمن في حلب.. كانت مقابلة الرجل لي باردة الي حد بعيد عندما عرف بأصلي التركي.. لم يتعرف هو الأخر علي طبيب الأسنان، لكنه تعرف فانو نازريان لأنه عمل عنده منذ فترة بعيدة.. اما اين هو الأن فهو لا يعرف عنه اي شئ..”

و بدأ والدي يحس بحماقته هو الأخر لبعثه بأبنه الي المجهول.. انتابته نوبة اكتئاب لبث فيها مدة حتي و صله خطاب بايزيد الثاني بعد ستة اشهر..

” .. انه في مصر.. لقد توصلت اخيرا الي الحي الذي كان يسكن فيه آل نازريان.. كانا الأب وابنه فقط.. الأب مات.. اما الأبن فقد سافر منذ خمس سنوات الي مصر.. لقد نفذ المال معي هنا، لكني أستطعت ان اتوظف عند شركة نقل بحرية، صاحبها تركي.. الرجل سعيد جدا بتوظيفي و يتباهي امام عملائه بتوظيفه امير من الأسرة العثمانلية.. ان هي الا بضعة اشهر و أجمع مالا كافيا يعينني علي السفر.. اتوقع ان اسافر في اوائل ربيع العام الجديد..”

و بالفعل كان الخطاب التالي في مارس 1931
” .. اكتب اليكم هذا الخطاب بعد ان جهزت حقيبة السفر.. لقد اجهدوني هؤلاء النازريان بشدة.. ان اول شئ اقوم به بعد لقاء ابنهم هذا هو لكمة قوية الي فكه.. “

و انفطعت اخبار بايزيد تماما.. و مرت السنون.. و في هذه الأثناء بدأت تتدهور صحة أبي، كما تدهورت تجارته.. كان العام 1934 هو الأسوأ.. اندلعت احداث الشغب في انحاء باريس.. و مثل كثيرين اضطر ابي الي اشهار افلاسه..كنت قد انهيت دراستي الحقوقية و التحقت بمكتب محاماة.. كان دخلي معقولا يكفيني انا و ابي و اختي.. كانت معيشة القصور بمثابة ذكري محبطة.. و اما الحنق الأساسي فكان وليد قلقنا علي بايزيد..
و في اواخر العام 1937، كان مرض ابي قد وصل الي نقطة اللاعودة.. و مات ليلة رأس السنة الجديدة.. كان الجميع يحتفل في الخارج، في حين امضيت انا و عاتكة الليلة نبكي فقدان السند الوحيد لنا في هذا العالم..
و في منتصف فبراير من العام الجديد 1938 ، استلمت خطابا جديدا من بايزيد..

“..لقد وجدت فانو نازريان

فصل من رواية “ويصا عبد النور” لحسين عبدالعليم..تصدر قريبا من دار ميريت

كتب المواطن ويصا عبد النور فى إحدى الكراسات: اليوم 17/3/1972 أخذتُ قرارىّ النهائى.
كان يأمل أن يتزوج واحدة تشبه إلى حدّ ما إستير وليامز – بيضاء ورشيقة وجميلة ومن الفيوم وتعوم بمهارة.
أخذ يُؤجل ويسوّف ويراوغ أهله فى سنهور، وعندما كان يعود إلى الفيوم يهرع كل مساءَ إلى سينما رمسيس أو سينما الفيوم ويعيش الساعات مع إستير وليامز أو من يشبهنها من ممثلات فى الأفلام الأجنبية.
اليوم – أخذ قراره النهائى.
بعد أن قضى فترة العصارى يتقلّب فى فراشه مُتخيلاً أنها إستير وليامز بالمايوه تنام فى أحضانه، وبعد أن انتهى به الأمر إلى حلب نفسه متأوهاً – قام، دخل إلى دورة المياه وأهال عليه ماء الدُش، وإذا به يتوقف فجأة.
حاول المواطن ويصا عبد النور أن يرى عضوه أو حتى أصابع قدميه وهو واقف مستقيم فلم يستطع، أدرك المواطن ويصا عبد النور أن كرشه الضخم المُشعر يحول دونه ورؤية هذه الأشياء.
داخله يقين نهائى بأنه لن يكون أبداً جين كيلى – فصرف النظر نهائياً عن موضوع إستير وليامز قائلاً لنفسه أن كل فولة ولها كيّال.
عاد المواطن ويصا عبد النور إلى سنهور – أمضى هناك أسبوعاً ورجع، رجعت معه فايزه حنا – إبنة خالة حنا بنيامين صاحب مصنع العرقى فى البلد – وقد أصبحت زوجته: بيضاء، سمينة، وليست لها رقبة، وتخنفّ فى كلامها.
ظل المواطن ويصا عبد النور مبتئساً لبعض الوقت ثم أخذ قراراً جديداً (لم ينس أن يدوّنه بتاريخه أسفل القرار السابق) سوف يحب فايزة حنا كما هى متجاوزاً عن تُخنها وقصرها ووركيها المليئين بالكلاكيع اللحميّة والعروق الزرقاء وخنفها فى الكلام ورأسها المزروعة بين كتفيها.
بمرور الأيام والشهور والسنين نجح المواطن ويصا عبد النور فيما انتواه، بل وتأكد أن فايزة حنا بنت جدعه ولها عيون طيّبة مثل عيون الأرانب.
الذى جدّ عليه فقط ازدياد عشقه للسينما وإلحاح أفكاره الحواذية الخاصة بالتدوين، كان يؤمن بشكل أو بآخر أن الأشياء المدوّنة ممنوعة من الانفلات فى سياق النسيان ومرور الزمن حتى لو كان قد نقلها من الصحف و المجلات .
فى أواخر عام 1997 جلس متىّ إبن المواطن ويصا عبد النور يُقلِّب فى كراسات أبيه الخاصة بالسينما، قرأ:
* راعى بقر منتصف الليل – أمريكى – أوسكار عام 1970 – بطولة داستين هوفمان قال البطل عن نفسه صراحة: أنا زير نساء ومُبتذل، كان قوى الجسم جميل الوجه طيّبا لا يعرف المراوغة فى تحديد مهامه، جاء من تكساس ليبيع قوته الجنسية لسيدات نيويورك العجائز، فشلت صراحته وابتسامته وملابسه الغريبة فى أن تجذب إليه أحداً، وبدأ يتنازل عن حلمه تدريجياً، وانتهى به الأمر إلى أن يبيع قدراته الجنسية للشواذ من الرجال، كان عليه أن يعرف أن ثمة كثيرين قبله قد غزوا نيويورك بوسائل أكثرخُبثاً ودهاء.
* سائق التاكسى – إخراج مارتن سكورسيزى – جائزة كان 1976 – بطولة روبرت دونيرو – يتجول بالتاكس وسط جو القمامة الأمريكى العام – شوارع مزدحمة بالأضواء والشحاذين والعاهرات والمجرمون وعالم الدعارة السفلى، صوت موسيقى الجاز يُغلِّف كل ذلك – إن بشاعة الحياة الآلية وفقدان العامل الإنسانى يترتب عليهما العديد من الحالات النفسية والتصرفات الإجرامية، جودى فوستر تدلل على بشاعة المجتمع الأمريكى الذى يمسخ صبيّة فى عُمر الزهور ليحوّلها إلى داعرة.
* الوّحشْ – أخرجه صلاح أبو سيف عام 1954 – يعالج قصة محمود المليجى البلطجى الذى كان يخشاه الفلاحون ويساعده الباشا – ضد ضابط المباحث رؤوف – أنور وجدى.
* بونى وكلايد – أمريكا من إنتاج عام 1967 – يقدم ملامح من الحياة الأمريكية أوائل الثلاثينيات (أزمة الكساد) حيث يخرج شاب يُشهر مسدسه ضد مراكز تجميع الأموال فى خزائن البنوك أو خزائن كبار الإقطاعيين، تنضم بونى (فاى دوناواى) إلى كلايد (وارون بيتى) ويكوّنان عصابة بونى وكلايد، يتعاطف معهما الأهالى ويبادرون للترحيب بهما والانضمام إليهما باعتبارهما أبطال يُحققون العدالة، إذ أن هذا الأسلوب فيه نوعاً من إرضاء الذات والخروج من المأزق الاجتماعى والاقتصادى، ينتهى الفيلم بأن يتثقّب أفراد العصابة برصاص البوليس فى لقطات بطيئة.
* جوليا – فانيسيا ردجريف هنا هى نموذج المرأة ككائن إنسانى، تمردت على عائلتها شديدة الثراء واختارت طريق النضال النبيل انضماماً إلى صفوف المقاومة ضد النازى، جوليا هى الضمير الحى ونداء لا يكفّ عن إعادة التوازن للكاتبة ليليان (جين فوندا) أوسكار أحسن ممثلة مساعدة 1977.
هزّ متىّ ويصا عبد النور رأسه حاسداً المواطن ويصا عبد النور على زمنه قائلاً فى حسرة: نفسى أشوف الأفلام دى.. بسّ فين بقى؟!
حَبِلت فايزة حنا وأنجبت ماجدة، غريب أمر هذه البنت، كُلّما شّبت عن الطوق اقتربت فى الشبه والرشاقة والحركات من إستير وليامز.
كبرت ماجدة وأصبحت شابه، ذات يوم كانت عائدة من الخارج فى لهوجة ولم تُعر أبيها ولا أمها الجالسين التفاتاً، جرت إلى دورة المياه، بالكاد رفعت الجيبة وأنزلت الكيلوت وجلست القرفصاء، وتدفّقت بطنها بأصوات مفزعة وقرقعة.
سمع المواطن ويصا عبد النور ذلك، أخذ قراراً لم ينس أن يدوّنه: ماجدة ليست هى إستير وليامز.
بمرور الزمن أدرك المواطن ويصا عبد النور أن ماجدة بنت جدعة مثل أمها ولها عيون طيّبة وتشتغل تبع الكنيسة فى مشغل بنات يسوع وتعمل جمعيات لمساعدة نفسها فى الزواج.
فكّر المواطن ويصا عبد النور: أنا من الأصل أهوى التبرز فى الكابينيه البلدى وأتضايق من استعمال كابينيه أفرنجى، يشعر نحوه بأن مايتم فيه ليس شُخاخاً بالمعنى المألوف، مجرد حجرة صغيرة بالقيشانى وجلسة مريحة تستدعى من الشخص جهداً أكبر لإتمام فعل الإخراج.
فيما بعد قرأ المواطن ويصا عبد النور مقالاً لا يدرى أين – يقول: إن الكابينيه البلدى أكثر حميمية وأن جلسة التبرز فى الكابينيه البلدى تجعلنا كما خلقنا الله وتساعد عضلات البطن والفخذين على الضغط لإفراغ المستقيم.
تابع المواطن ويصا عبد النور تذكُّره: حتى فى استعماله المضطر للكابينيه الأفرنجى كان يجلس عليه من فوق ويستعمله كأنه يستعمل كابينيه بلدى – بالتالى كان لابد له من خلع الحذاء حتى يحافظ على التوازن فوق قاعدته الأمر الذى أصبح فيه حرّيفاً فيما بعد.
ودائماً عندما يكون مضطراً لاستعماله وماسك نفسه بالعافية، ويبدأ فى التحرر وخلع الحذاء - دائماً ينعقد رباط الجزمة الملعون (هل هذا وقته) ويأخذ عدة دقائق إضافية لفكّ العقدة أو قطع الرباط لدرجة أنه فى مرات متعددة تبرز على نفسه.
- صَدق. صَدق عم شاكر خدّام دورة الميّه فى الجامع: الواحد من دول يبقى عنده استعداد يدّينى فدّان أرض عشان أخليه يدخل يفضّى حَسِرة بطن.
حَبِلت فايزة حنا وأنجبت متىّ، غريب أمر ذلك الولد، كُلّما شبّ عن الطوق اقترب فى الشكل والرشاقة والحركات من جين كيلى فى فيلم الرقص تحت المطر، وتعلمّ من أبيه نداء جونى ويسملر (طرزان) وحُب الحيوانات والطيور.
أكثر ما كان يؤلم متىّ ويجعله يرتعش كالمحموم – عندما كانت أمّه تذبح الطيور، كان يثأثئ ويفأفئ: بلاش.. بلاش.. بلاش.
وعندما يهدأ الولد وتقول له فايزة حنّا: كده يبقى الطير محرّم عليك – كان يناقش بموضوعيه: افترضوا بقى أن ربّنا خلق بنى آدمين غيرنا الواحد فيهم قدّ العمارة.. وهم بيتغذوا علينا.. فايمسكوا الواحد أو الوحدة منّا يدبحوه ويُسلقوه ويحمروه وياكلوه.. يبقى إيه الوضع؟!
وكيف كان متىّ يعلم أنه فى زمن مُقبل سوف يُذبح الناس فعليا وتقطع رؤوسهم وتُمسك الرأس من شعر الذبيح فى مواجهة الكاميرا؟!
يؤكد الولد: أنا افتكر إنّه ممنوع علينا أو على أى حدّ يموِّت حاجة خلقها ربّنا على الإطلاق.
تناقشه ماجدة: ولا الصراصير ولا الفيران ولا الابراص؟
- أيوه
- طيب يا فالح يا حنيّن.

الفصل الأول من رواية “الوباء” لشريف حتاتة..خلال هذا الشهر..من دار ميريت

الفصل الأول

رفع الحقيبة عن الأرض وتقدم بخطوة متمهلة فوق الرصيف. كانت القاطرة قابعة مثل الحشرة الضخمة قرب الحاجز الذي دخل منه. أسرع الخطوة واتجه إلى إحدى عربات الدرجة الثانية. صعد إليها وسار في الممر إلى أن عثر على مقعد خال إلى جوار نافذة يُمكن أن يُطل منها على شروق الشمس . وضع الحقيبة على الرف أعلى المقعد، وأخرج من جيبه منديلاً نفض به التراب المتراكم عليه ثم جلس . تطلع من النافذة على أفواج المسافرين وهم يقفون كالأشباح في غيوم الفجر تسرب إليها ضوء الفلورسنت. حملق في السقف العالي ارتفع زجاجه على ضلوع من حديد سوداء اللون، فبدت المحطة كالقفص الضخم إنطلق فيه الناس الباحثين عن ثغرة يخرجون منها. فوق القضبان المجاورة استقرت عربة نوافذها مغلقة كأنها ظلت تغط في النوم منذ دهر، وعلى مقربة منها وقف رجل أشعث الشعر كأنه هبط منها. تطلع إليه بعينين فيهما لمعة غريبة فالتفت بعيداً عنه.
تحرك القطار وسار ببطء. إخترق ضواحي المدينة وتركها وراءه، فظهرت الحقول أضاءتها الشمس. رأى نفسه طفلاً يرقد على التراب ويُحملق في أوراق الشجر تهتز أعلاه ببطء. أحس أنه رُفع عن الأرض، أن جسمه بدأ يتأرجح، بسطح خشن يحتك بيديه فبكي لعلهم يُعيدونه إلى الدفء الذي جاء منه. ظل يبحث عنه دون جدوى، دون أن يعي أحياناً ما الذي يبحث عنه. يُهيأ إليه في بعض اللحظات أن صدراً ضمه إليه. شعور خاطف أسرع من خفقة القلب. إحساس بالنعومة، بالدفء المبهم ضاع منه فظل يحتضن الحنين والغضب لم يتخلص منهما حتى عندما أصبح شاباً فارع القوام تسلل إلى بيت الجارة. وضعت كفها على كفه، وفمها على فمه، ثم رفعته فوقها فعرف لأول مرة لحظة النسيان في جسم المرأة قبل أن يعود إلى الجرح الذي لم يُعالج منه.
* * *
جاءه الخطاب المسجل يوم خميس. هكذا يتذكر ففي اليوم التالي سمع شيخ الجامع وهو يصرخ بأعلى صوته داعياً الناس إلى طاعة رجال الحكم. قرأ الخطاب، وقرار النقل المرفق به. منذ الآن هو المرشد الزراعي في قرية “كفر يوسف” وعليه أن يُسافر فوراً لاستلام العمل.
كان في السابعة والعشرين من عمره، بلا زوجة، ولا أسرة، ولا صديق، ولا حتى بطاقة تموين، هارباً في الأبحاث التي يُجريها، وفي قدرة على العمل منذ اللحظة التي يظهر فيها قرص الشمس إلى اللحظة التي تتوقف فيها الخطوات السائرة على الرصيف أعلى “البدرون” الذي يسكن فيه.
كان يُمكن أن يبقى في القاهرة لكنه أصر على النقل إلى “كفر يوسف” فشكوا في أمره. فلماذا يُفكر الشخص في الإنتقال من العاصمة إلى الريف؟ لابد أن وراءه شيء. أطلقوا وراءه أجهزة الرصد. إستدعاه عقيد أذناه فى حجم ورق الكرنب تلتقطان الأصوات عن بعد، وشعره محلوق وفقاً لموضة العصر. سأله عن أبحاثه في سلالات الأرز، عن أمه وأبيه. لم تُعجبه إجاباته فثبتوا في جسمه أسلاكاً تجعله ينتفض عندما لا يرضون عما يقوله.
مر شهر دون أن يصله الرد على طلب النقل الذي تقدم به، فتوجه إلى مكتب وكيل الوزارة المختص ليسأله عنه. لم يكن في مكتبه. قال الفراش الجالس على بابه إن الباشا سافر في جولة تفتيشية إلى “الأقصر” و”أسوان”، وٍسأله عما يُريد. أوضح له السبب الذي جاء من أجله، فأغلق عين وألقى إليه بنظرة فاحصة من عينه الآخرى، ثم قام وأشار إليه بأن يتبعه. سار وراءه حتى نهاية طرقة طويلة تنتهي عند نافذة تُطل على حوش خلفي تُلقى فيه فضلات الوزارة. توقف ونظر حوله عدة مرات قبل أن يُخاطبه قائلاً:
“هو انت من “كفر يوسف” صحيح ؟
“نعم”
قال:
“دي البلد اللي أنا منها، وإنت باين عليك راجل طيب علشان كده هأخدمك. إطمن موضوعك خلص. أنا شوفت جواب على مكتب الباشا وأنا بأنضفه جاي من بتوع الرصد دول. كان مختوم عليه سري جداً فقريته. لقيته بيقول إن الجهاز ماعندوش مانع من نقل الموظف “صفوت محمد بسيوني” “لكفر يوسف”.
سلم عليه بحرارة وشكره ثم إنطلق هابطاً على السلالم بسرعة. عاد إلى البيت وأخذ يُعد حاجاته استعداداً للسفر. كان يُريد أن يبتعد عن “القاهرة” في أقرب فرصة فلم يعد يطيق البقاء فيها، في الجو الملوث، والضجيج، وتوترات الحياة السائدة فيها. تملكه شعور غامض بأنه مُقدم على مرحلة خطيرة في حياته عاد إليه بقوة وهو جالس في القطار. في الوقت نفسه بدا له كأن “صفوت محمد بسيوني” المتجه الآن إلى “كفر يوسف” ليس شخصاً واحداً وإنما شخصان، أحدهما هو الجالس على المقعد في القطار، والآخر شاب يرتدي عفريته زرقاء ويتسلل إلى مبنى ضخم يُطل على القرية من أعلى، مبنى يُثير فيه الرهبة عندما ينظر إليه. ثم إنتقل عقله إلى صور آخرى. رأى نفسه طفلاً يلعب في حواري البلدة، وصبياً يجمع الدودة من حقل للقطن، وشاباً ينتقل بين القبور في مدفن حطت فيه طيور سوداء اللون، ثم طارت وأجنحتها ترفرف.
هبط من القطار في مدينة “بلبيس” واستقل سيارة “بيجو” في الموقف القريب من المحطة لتحمله إلى “كفر يوسف”. قرب الساعة الخامسة مساءً توقفت السيارة عند تقاطع للطرق فيه بعض المحلات. قال السائق: “كفر يوسف”. خرج من السيارة وأنزل حقيبته من أعلى الشبكة، فوجد نفسه واقفاً في شارع يقود إلى ترعة يجتازها كبري صغير إنطلق عليه السائق بسيارته بعد أن هبط هو منها. لمح محل للبقالة على الناصية، وعلى الناحية الآخرى مقهى انتصبت خارجه دكة ومقاعد من القش جلس عليها عدد من الفلاحين انهمكوا في الحديث وفي سحب أنفاس من الجوزة. استدار وتوجه إلى محل البقالة وقف فيه رجل عريض الجسم، ملتح الوجه أخذ يتفرس فيه عبر المسافة التي تفصل بينهما. خطا نحو المحل حاملاً حقيبته فاستدار الرجل وانشغل بتصفيف زجاجات من الزيت على رف. لاحظ أن ذراعيه طويلتان وقويتان على نحو غير عاد. حياه ثم سأله عن مكان الجمعية التعاونية الزراعية، فرد التحية وأشار إلى طريق ممتد إلى جوار الترعة قائلاً :
“هتلاجيها بعد المباني اللي إنت شايفها دي”، وعاد يرص الزجاجات على الرف.
وصل إلى مبنى الجمعية بعد أن مر على مقهى، وعلى ورشة للحدادين. أمام المبنى كانت تُوجد حديقة للبرتقال جلس على بابها رجل عجوز تخطاه وسار إلى باب الجمعية دون أن يسأله. وجد الباب مغلقاً بقفل وجنزير فعاد إليه وقال:
“أنا المرشد الزراعي الجديد، وصلت دلوقتي وعايز أدخل السكن بتاعي.”
حملق الرجل فيه، وفي الحقيبة التي كان يحملها، ثم قال:
“حمدالله على السلامة يابيه، أنا غفير الجمعية، محسوبك “عبده جاب الله”. حضرتك اسمك إيه؟”
“اسمي “صفوت محمد بسيوني”. هو مفيش حد في الجمعية؟”
“لا يا بيه. كلهم روحوا.”
“مفيش حد ساكن فيها؟”
“لا يابيه المدير ساكن في بيته بره. لكن أنا معايا المفاتيح سابوها لي لما جت الإشارة اللي بتجول إن حضرتك حتحضر النهاردة. أهلاً وسهلاً يابيه. نورت “كفر يوسف”.”
كانت ساقاه ملطختين بالطين كأنه انتهى على التو من ري الحديقة. أحس بيده المعروقة الخشنة تضغط على يده، وبعينيه تستقران على وجهه بنظرة مستطلعة باردة. استطرد:
“البيه المدير كان بوده يستناك لكن كان عنده شغل. هو ما بيسبش المفاتيح مع حد غيري. أصل في البيت عنده مفيش غير أمه، وهى عجوزة لمؤاخذة، يادوب بتشوف.” قاطعه قائلاً:
“أنا صاحي من بدري، والمشوار تعبني. خدني للسكن.”
“أعملك شاي الأول يابيه؟”
“لا شكراً يا عم “عبده”. هى المفاتيح معاك؟”
“لا يا بيه، دي في الدار. هأروح أجيبها. إتفضل معايا تشرب شاي ولاَ تاكل لجمة.”
“لا شكراً، هأستناك هنا. بس ما تغبش عليّ.”
“لا هأرجع لك حالاً مسافة السكة بس.”
* * *

لتحميل قصيدة فاروق جويدة .. هذه بلاد لم تعد كبلادي

السلام عليكم

الكثير منكم طلب تحميل قصيدة فاروق جويدة

أعتذر عن التأخير في تلبية الطلب

للتحميل اضغط هنـــــــــــــــــــا ..

تحياتي لكم

الساحر ..

الفصل الرابع عشر ..

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الرابع عشر ..

الخدعة الكبرى .. بلسان نادر ..

مر الوقت علي و أنا جالس في الحجرة كالدهر .. حقيقة لم أتخيل قط أن تكون معاملتي في أقذر سجن موجود في أكثر المناطق جهلا في مصر بمثل تلك الطريقة .. عيناي لا أكاد أشعر بهما .. رأسي تدور حينا و تصمت حينا .. تصرخ حينا و تكاد تنفجر حينا .. أشعر بجسدي كأن نارا محرقة اشتعلت في كل خلية من خلاياه .. كلما أشعر أن منطقة من جسدي تؤلمني تتدافع المناطق الأخرى في ألم مواسية أختها بلا تردد .. لكن جيد أنهم توقفوا عن ركلي و ضربي و لكمي .. فبعدما خرجت من حجرة الضابط الذي كاد يحنقني من لامبالاته كأنه يشاهد فيلم رومانسي .. أدخلوني حجرة لينهالون علي فيها كي أعترف .. مجانين هم حقا .. كدت أعترف حقا .. كدت أصل لنقطة اليأس .. لكني ثقتي في زملائي .. ثقتي فيمن أودعت عندهم رأسي أمانة .. ثقتي تلك جعلتني أصبر و أصبر .. أنتظر اللحظة التي كنت أرتقبها حتى .. جاءت ..

-لا تستمروا في ضربه .. اتركوه و احرسوا الغرفة حتى أعود ..

-تمام يا فندم ..

اندفع الثلاثة غيلان في مرونة أمامي يؤدون التحية العسكرية .. لكن عيناي التقتا بعين الضابط .. حينها شعرت بالراحة .. فالتردد و الشك الذي شعرتهما في داخل نظرته جعلاني أجزم ان طرد سبيل قد وصله .. بل يكفي أنه أمرهم بعد المساس بي مجددا .. نظروا لي نظرة مذنب يحاول التماس الصفح ممن أذنب في حقه ثم تحرك اثنان و تركوني في حين قال الثالث بنبرة تأنيب خفيفة :

-لا تأخذ الأمر بشكل شخصي .. أنا فقط أؤدي الأوامر و أنفذ الواجب ..

جززت قليلا على أسناني في قوة .. لو كنت في حالتي الطبيعية لانهلت عليه بقبضاتي أحطم فكيه و رسغيه و ساقيه جزاءا وفاقا لما قام به هو و زميليه .. لكني سكت و أشحت بوجهي بعيدا عنه , يبدو أنه لم يتوقع مني أي إجابة من البداية حيث تحرك مغادرا الحجرة ليغلقها خلفي و عقلي يحاول التفكير في ما يحدث الآن ..

-لو مر كل شيء كما خططت فأعتقد أنهم ذاهبون الآن للمكان الخفي الخاص بهذا المجرم ..

كنت أذكر نفسي دوما بالخطة .. بما حدث .. بما فعلت .. وذلك كي أدفع في داخلي الشعور بالثقة و الأمان الذي فقدتهما على أعتاب هذا القسم .. ظللت أنظر في الحجرة محاولا أن أقضي الوقت حتى عودة الضابط مكللا بالقبض على الجناة , لكني فشلت .. كانت كثير من الأمور تتدافع في رأسي بلا هوادة .. من جهة تفكيري في الخطة و تفاصيلها .. ومن جهة أخرى شعوري بالذنب لما حدث , لكن حقا لم يكن ذنبي .. لقد كانت خطة محكمة الحبكة .. لكن أنا الأذكى .. وفوق كل هذا التعب و الإرهاق و الآلام المبرحة التي توجد بجسدي .. أما شعور آخر فقد حاولت تجنب التفكير فيه طيلة الوقت لكنه لم ييأس من محاولة خروجه .. ماذا إن فشل الضابط في القبض على الجناة ؟ بل ماذا يحدث من الأساس إن لم يجد أحدا هناك ؟ هل ستلتصق تهمة سرقة البنك و قتل صديقه بي ؟ هكذا تفكير حاولت تجنبه طيلة مكوثي في الحجرة , و لحسن حظي فقد غفوت من كثرة تعبي ولم أفق سوى على صوت إنغلاق باب الحجرة المجاورة مما فهمت بعدها أنه قد نجح .. قد نجح .. يا لي من محظوظ ..

مكثت الليلة أحاول الاستماع إلى ما يدور بالحجرة المجاورة .. أحيانا كانت الكلمات عالية فأسمعها .. خاصة في البداية حيث صرخات هذا الأرعن كامل و هو يحاول الدفاع عن نفسه بعلو صوته كأنهم يأخذون علو الصوت دليلا .. لكن بعدها بدأت نبرة صوته تهدأ حتى اختفت تماما .. كذلك سمع صوت مهند مرة أو مرتين , ثم صوت ثالث لا يعرف صوت من .. ربما يكون ضابط التحقيق .. وربما يكون الشخص الذي زور كل شيء .. ربما .. لست أدري .. ولا أكترث .. ما يهمني حقا أنني نجحت .. خطتي نجحت .. وها هم الجناة الحقيقيون سيأخذون جزاؤهم حقا .. جلست بعد عدة ساعات من التصنت على أريكة موجودة بالحجرة و أرحت جسدي عليها .. لأول مرة منذ بدء العملية أشعر براحة بال حقا .. أشعر أن الدنيا صارت فارغة .. لا يوجد ما يمكن أن يقلق راحتي .. لقد انتهت الأزمة .. و الأجمل أنها انتهت على خير ..

-تفضل معي .. الضابط يريدك ..

شعرت بيد العسكري توقظني في قوة كدت أسقط من فوق الأريكة منها , لكني أفقت في سرعة , شعرت بالآلام في كافة أنحاء جسدي بصورة غير محتملة , لكن هناك أمر كان يشغلني أكثر .. فاندفعت سائلا العسكري في تلقائية :

-وماذا عن كامل و من معه ؟!

نظر لي العسكري نظرة شعرت معها أنها مندهش مما قلت .. و ندمت حقا على اندفاعي هكذا .. لكني حقيقة أرغب بمعرفة ما يحدث .. فاستدركت موضحا :

-لقد سمعت الناس بالخارج يتحدثون عن الأمر ..

-نعم , فالأمر صار حديث الجميع .. تخيل أن صاحب البنك هو نفسه من قام بسرقته .. يا له من ماكر هذا الثعبان ..

-لا والله ؟!

-حقا .. صدقني .. إن الأدلة كلها ضده ..

تصنعت الحيرة و عدم التصديق ولا أدري إن نجحت في هذا مع تورم كافة أنحاء وجهي أم فشلت , لكني قلت في نبرة دهشة :

-أمر عجيب ..

ثم تصنعت الخوف قليلا و قلت بنبرة ذعر :

-ولكن لماذا يريدني الضابط إذن ؟ لم أفعل شيئا .. صدقوني لم أفعل ..

ارتسمت ملامح هادئة على وجه العسكري وهو يقول :

-لا تقلق .. مؤكد أنه سيطلق سراحك .. لا توجد أي أدلة ضدك .. لا تخف .. هيا .. يجب ألا نتأخر عليه ..

تحركت خلف العسكري و قلبي يكاد يخرج ليقدم وصلة رقص منفصلة متفردة احتفاءا منه بما حدث للتو , ما إن عبرت باب الحجرة حتى رأيته .. بملامحه المتعجرفة التي اعتاد أن يخرج بها علينا في التلفاز .. لكن هذه المرة عينيه لا تشعان بريق الخبث و القوة .. بل تشعان بريق اليأس و الثبور .. توقفت أمامه كما توقف أمامي .. و التقت عينانا ببعضيهما .. كان ندا قويا .. أعترف .. كان ذكيا .. أعترف .. فاعترافي بقوة غريمي لا يقلل من قيمة انتصاري .. شعرت أنه في محيط من الحيرة تأخذه دومات و دوامات فيها دون بصيص أمل , ولا يمكن لي أن أقوم باستعراض ما قمت به في موقفي هذا .. لهذا قررت أيها الأرعن أن أخبرك بما حدث في عقلي . لعل عقلك يدركه .. أو نظرات عينيه تفهمه .. و حينها قد يبصر عقلك ما قد حدث ..

يا أبله البداية كانت جيدة منك .. تحركت بخطوات رائعة .. لكنك لم تحسن التصرف .. حدق إلي بنظراتك الخاوية الغير مصدقة تلك .. أتريد مني سرد تفاصيل العملية كما قمت أنت بتخطيطها ؟ ببساطة جرفك الطمع نحو الهاوية .. لم تعجبك الأموال الضخمة التي أودعها الكثير من المساكين لديك .. فقمت بالمضاربة في البورصة العالمية .. ويا للعجب .. فقد خسرت كل أموالك .. و يا للعجب .. أردت أن تخرج منها دون حساب قط .. يا لك من أحمق كبير ..

حينها فكرت في خطتك القذرة .. ماذا لو قام أحد السارقين بسرقة بنكك ؟ الفكرة رائعة أحييك عليها .. خاصة و أنك أدركت أن مجرد السرقة لن تفيدك .. إذ أن عليك ديون عليك تسديدها .. لهذا لو قمت أنت بسرقة بنكك و قام أحد آخر بمحاولة السرقة ولم يجد شيء فأنت في مأزق .. فحينها لن يمكنك اثبات شيء عليهم .. عليهم أن يسرقوا الأموال كاملة .. و عليك أن تحصل عليها .. فكرة التزييف فكرة عبقرية حقا .. و استخدامك لأكبر مزيف في مصر حركة لم تكن جيدة منك رغم كل شيء ..

فالأمر الذي لا تعرفه أن أي حركة كبيرة في عالمنا تتحرك أصداؤها كالشظايا متفرعة من القنبلة حين تنفجر .. و الأجمل أن يكون الأمر متعلق بأحد الكبار لدينا .. لهذا فاختيارك له قد جعل الشائعات تتحرك هنا و هناك في عالمنا عن وجود عملية كبيرة تتم .. و هذا ما أفادني فيما بعد ..

بعدها قمت بالتحرك بصورة جيدة .. استخدمت بيدقكك الخاص , هذا الخائن .. الغبي .. مهند , كي يقوم باستفزاز فاروق صديقي في الوقت الذي قمت أنت فيه بعمل حركة استفزازية بإعلانك التحدي على العلن هكذا .. حينها أعترف انني قد وقعت في شباك خدعتك .. لم أنتبه لخدعتك .. لكنك استخففت بي أنت و ظلك الموجود بيننا .. فأنا عادة ما أتبع طريقة خاصة .. طريقة تكفي لدفع المخاطر بعيدا عني ..

انظر لي يا أحمق .. يا أرعن .. دقق النظر في و تمعن في وجهي المتورم جيدا .. في أول اجتماع لنا جميعا منحت كل فرد جهاز محمول خاص .. حقيقة هو ليس محمول فقط .. بل جهاز تسجيل كذلك .. وفي كل ليلة نجتمع فيها كانت الأجهزة تفرغ محتوياتها تلقائيا .. وكنت أمر عليها في سرعة أنا و فاروق .. و حينها استطعنا التقاط عدة مكالمات من مهند الخائن إليك .. و يا لها من مكالمات ..

كنت تحب الاطمئنان على رجلك مرتين يوميا .. تسمع منه التفاصيل .. يا لك من رائع .. منحتني في ثاني يوم الخيوط العريضة لخطتك القذرة حين تحدثت عن دور مهند فيما بعد , و حين طلب منك أن توقع بأحد غيره حتى نبعد أعيننا عنه .. و حينها اختار فاروق لأنه من قام بتجميع الجميع و من قام باقتراح الفكرة علي ..

اختيار فاروق رائع .. و قد أُعجبت بك حينها .. لكن الوضع كان بدأ في التأزم .. فأرسلت جورج في مهمات خاصة لتقفي أثرك و معرفة كافة المعلومات عنك .. وقد عرفنا ببساطة أنك قد رشوت أحد أكبر صحفيي مصر حتى لا ينشر الوثيقة التي في مكتبه و الخاصة بأمر الخسارة في المضاربة بالبورصة .. الوثيقة التي كلفتك مليون دولار للصحفي هذا .. صدقني لم يتطلبا لأمر سوى زيارة واحدة لسبيل لمكتب الصحفي لتعود بصورة من الورق .. حينها أدركت الوضع برمته ..

حقيقة كدت أتراجع .. كدت أسحب أوراقي .. اللعبة ليست ندا لي .. حينها بدأت أتعلل بصعوبة إجراءات أمن بنكك التي حقيقة كانت جبارة , لكن تحركك السريع باختطاف زوجة و طفلة فاروق أزعجني .. أنت هكذا وضعتني في موقف صعب تماما ..

لو اخترت إنهاء العملية فسيفقد صديقي زوجته و ابنته .. ولو اخترت القيام بها سنصل في نهاية الأمر لمأزق حرج .. حينها عرضت الأمر على الجميع عدا رجلك طبعا , وقد وافقوا على خوض الطريق إلى آخره لإنقاذ زوجة صديقي و ابنته .. حينها بدأت في التفكير جديا في الأمر .. و قد وضعت خطة لسرقة البنك .. و في نفس الوقت وضعت خطة لم تعلم بها ولم تفكر في إمكانية وجود مثلها كي أوقع بك أنت ..

كنت أعرف أنك لن تكافئ رجلك إلا حين ينتهي من العملية تماما .. وهذا ما يعني أن يتم القبض علي بتهمة السرقة .. وكنت متيقن أنك ستسرق بنكك في نفس ليلة تنفيذنا للعملية .. وقد تيقنت بهذا حينما وضعت مايكل لمراقبة البنك طول الصباح و قد أخبرني عن الحركة الدؤوبة في الخزانة حينها ..

كنت أعرف انك ستضع النقود و المجوهرات الحقيقية في المكان الذي تأتمنهم فيه .. وهو نفس المكان الذي لابد أن رجلك قد قام بتزوير النقود و المجوهرات فيه .. و بالتالي فهو المكان الذي تختطف فيه الرهينتين .. و من ثم فهو مكان لا يعرفه سوى القليل .. ففرصة معرفتي له ستكون نادرة إن لم تكن مستحيلة ..

لهذا كان لابد أن تسير الخطة كما خططت أنت لها .. أنا أسرق البنك .. ثم تقوم بجعلنا نشك في فاروق .. بعدها أقع في أسر الشرطة و حينها تخرج أنت بالكنز كاملا .. تسدد ديونك بنقود الشعب .. و تأخذ التأمين من الدولة .. و تستمر صورتك كما هي .. سارق و نصاب و مزور و مجرم .. يا لك من شخص ..

على أي حال ما حدث كان بسيطا .. فقد كنا جميعا نعرف بأنك ستجعلنا نتهم فاروق .. لكن لم نعرف كيف .. حينما اتصلت بفاروق و أخبرته أن يذهب إلى شقته فورا كي يتصل بزوجته و يطمئن عليها , حينها عرفنا أنها اللحظة المناسبة .. فاندفع كل منا نحو الغضب و الحنق .. و خرج كل منا من الفيلا وهو حانق .. كنت أعرف يقينا أنكم ستراقبوني لكن لن تراقبوا البقية .. حينها خرجت قاصدا منزل فاروق حيث كلمته فيا لطريق فأخبرني أنه لم يتصل به أحد رغم أنه في المنزل و اتصل بالرقم المعتاد بصاحب البنك ولم يجبه .. حينها طلبت منه أن يرحل عن شقته .. و قد كان اقتراحا جيدا مني .. فالشقة كانت ملغومة .. وبعد رحيله بدقائق انفجرت .. و بالتالي لم يلتفت أحد إليه وسط الانفجار و ظنوه قد مات داخل الشقة .. أنا نفسي تخيلت ذلك و كدت أندفع صوب الشقة لولا أنني لمحت وجهه وهو يركض وسط الزحام .. حينها تسمرت و عدت لسيارتي مجددا ..

حينما تركت الفيلا عاد الجميع إليها و قام راشد باستخدام السيارة التي استخدمناها بالأمس لشحن النقود و الذهاب بعيدا نحو مكان جديد خاص بسبيل .. وهنا كاد يتم كشف أمرنا حين وجدت سبيل مهند ينتظرها أمام منزلها .. يبدو أنه كان يريد التيقن من أنني لن أثرثر عنهم فيضيع كل ما فعله هباءا .. ولأنه يعرف أن سبيل لها علاقة قوية بي فقرر أن يحادثها , حينها استطاعت سبيل أن تتجاوز المأزق .. و استطعت أن أحدعه بغضبي و حنقي .. بعدها تم القبض علي .. ومنذ تلك اللحظة بدأت الخدعة البسيطة مني ..

وجود مهند أمام شقة سبيل كان بمثابة الكنز .. فقد وفر على مايكل و جورج مشقة البحث عنه .. فتبعاه دون أن يدري و قاما بالاستماع إلى كل ما يقوله .. فالغبي لم يتخلص من هاتفي المحمول الذي اعطيته إياه .. فعلى ما يبدو أنه أراده كتذكار ما يذكره بما حدث في تلك العملية .. و معه حق .. فتلك العملية لا تحدث سوى مرة واحدة بالعمر فقط ..

حينها اتصل مهند بك و أخبرك عن مقدرتك الرائعة في إيقاعي , ثم منحته أنت العنوان لتقابله , و هنا خسرت كل شيء ..

فبعدما عرف مايكل و جورج بالمكان اتصلا بالبقية .. و ذهبوا جميعا إلى القصر .. حيث هاجموا رجالك .. الغريب أنك لم تكن تتصل لتطمئن على الرهينتين قط .. كأنك مطمئن على عدم معرفة أحد بالمكان الذي هما فيه .. ولكنك مخطئ .. فحينما تغلب الجميع على رجالك تم استبدال النقود المزيفة بالنقود الحقيقية .. و المجوهرات المزيفة بالحقيقية .. بعدها قامت سبيل بالمرور على القسم بعدما انتهوا من عملية الاستبدال و قامت بإرسال ظرف يحتوي على ورقة تفيد بأن السارق هو صاحب البنك .. هو أنت .. و فيه الصورة التي أخذناها من مكتب الصحفي الشهير ذاك .. و الذي أعتقد أن شهرة دوره في قضيتنا ستفوق شهرة كتاباته الصحفية على مدار عمره كله ..

بالطبع الضابط لم يصدق عينيه .. و نظرا لأن الوقت كان صباحا حينها فلم يكن من الجيد أن يتم التحرك نحو المكان , خاصة و أن سبيل مؤكد أنها كتبت ورقة تفيد بموعدك مع مهند و المكان .. لكني أعتقد أنه قد أرسل بعضا من رجاله صوب المكان لتفقده ..

بعدها كان الأمر ناقصا للقطعة الأخيرة .. المزور .. ببساطة كلمت إيمي المزور و أخبرته أن أستاذ كامل سينتظره في المكان المتعارف عليه بينهما في تمام الساعة الثامنة و النصف .. و يرغب منك الأصول التي استخدمتها في التعامل معه , بالقطع أدرك أنك تريد الأنماط الرئيسية التي صنع منها النقود .. و طبعا نصف ساعة كانت مخصص لمهند كي يجلس فيها معك تثرثران و الشرطة تسمع كل شيء حتى يظهر هو في المكان ..

أما عن البقية فأنت أعلم به جيدا مني .. و ها أنت أخيرا قد وقعت ..

هل تظن أن النقود و الرشاوي سوف تخرجك من السجن ؟

هل ظننت ولو لوهلة أنك برشوة صحفي كبير و تزوير نقود و تدبير سرقة يقوم بها غيرك ستخرج من مأزقك ؟ ألم يكن من الأسلم أن ترضى بالطريق السليم في العمل ؟

حقيقة أنا أشعر بالشفقة عليك .. كم أنت تستحق الرثاء ..

-هيا بنا .. فالضابط سيغضب إن تأخرت عليه أكثر ..

نعم .. اشعر بصدمتك أيها الأبله .. و أتمنى أن تكون كلماتي قد وصلتك .. حتى لا تعش بقية عمرك تتسائل .. كيف حدث هذا ؟

تحركت مع العسكري نحو غرفة الضابط الذي ما إن رآني حتى قام من مقعده و جلس في مقعد بمواجهتي أمام المكتب ثم قال :

-أحب أن أعتذر نيابة عن الشرطة كلها سيد نادر .. لقد قمنا بخطأ فادح ..

كدت أنفجر فيه غضبا لولا أنني أشعر أنني الفائز في النهاية .. فلماذا أغضب ؟ صمت وهو يتابع متابعا كل خلجة من خلجاتي :

-بالطبع تعلم عن تحريم تعذيب المسجونين ..

هززت رأسي إيجابا في حين تابع هو بكلمات بدت حذرة حين نطق بها :

-لهذا أتمنى ألا تقول لأي من الصحافة أننا قمنا بتعذيبك .. فنحن لم نقم بذلك .. أليس كذلك ؟

قال سؤاله الأخير و ضحك .. لم أدرِ ماذا أقول .. ربما بعد فترة أقوم بتأديب هذا المعتوه على ما قام به معي .. لكني ابتلعت ريقي و قلت :

-بلى .. بلى سيدي ..

-حسنا .. فلتوقع هنا من فضلك حتى نخلي سبيلك ..

وقعت على التحقيق الخاص بي و الذي أغلقه الضابط و أنا جالس بأمره بحفظ التحقيق لعدم ثبوت الأدلة على المشتبه فيه و ظهور أدلة أخرى تفيد بوجود مشتبهين آخرين غيره , بعدها سمح لي بالخروج .. ما إن خرجت من حجرته حتى شعرت بالهواء البارد يلفح وجههي .. شعرت حقا بآلام مبرحة .. يبدو أن الوقت لا يزال باكرا .. تحركت قدماي في بطء حتى خرجت من السجن .. حينها سمعت صراخا أمامي و أفواج تتدافع لاحتضاني .. إنهم رجالي .. إنهم أفراد عصابتي .. إنهم عصابة رجل القهوة ..

انتهى ..

الفصل الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثالث عشر

القبض على الجناة الحقيقيين ..

أخذت نسائم الليل الباردة تهب على الأنحاء مسببة ارتعاشة في جسد كل مارٍ بالطريق , و هناك الكثيرين في بعض الطرقات .. و هناك القليلين في البعض الآخر .. و هناك نوع خاص لا يسير فيه أي شخص .. إلا ما ندر .. و الليلة مرت قدمان بصورة سريعة عصبية بين الطرقات النادرة المسير , يتلفت صاحبها كل فترة خلفه و حوله ظنا منه أن هناك من يتبعه , ثم بعدما يتيقن من انفراديته بالطريق يتابع في سرعة و عصبية , ظل هكذا فترة نصف ساعة يخطو في الطريق الموحش حتى توقف و هو يحدق في لوحة رخامية كبيرة مزروعة داخل سور كبير يحيط بقصر مشيد .. قرأ الكلمات المكتوبة على اللوحة و ابتسم .. إنه المراد حقا .. حينها مد يده صوب الجرس و ضغط عليه , انتظر وهلة قبل أن يأتيه صوت معدني نوعا يقول :

-من هناك ؟!

-لدي موعد معك سيدي ..

-جيد .. وصلت في موعدك بالضبط .. أحترم من يحترم مواعيده .. فلتتفضل ..

ما إن أنهى جملته حتى صدرت تكة معدنية فُتحت بوابة القصر الضخمة على إثرها , لم يدخل الشخص فورا إنما ظل يتلفت حوله للحظات قبل أن يحكم قبضته على ضرفتي معطفه الثقيل ليتحرك في سرعة و عصبية كعادته منذ بدء الطريق , صعد درجات السلم الرخامية و دلف عبر الباب الذي وجده مفتوحا حين دفعه بيمناه , سار عبر الردهة الفخمة و أخذته الزخرفة المعمارية الرائعة بالمكان للحظات قبل أن يلحظ وجود سيده أمامه ..

-مرحبا بك سيدي ..

-مرحبا بك مهند ..

ابتسم الرجل وهو يصافح عميله الدفين بحرارة , ثم قال :

-تفضل .. كنت بانتظارك ..

نظر مهند حوله وقال :

-لكن لماذا لا أجد حولك الحراسة الثقيلة المعتادة ؟

ابتسم الرجل و قال :

-أنت تعرف جيدا أن هذا مخبئي , ولا يمكن أن أسمح للشرطة أن تعرفه قط , لهذا أحضر عادة إلى هنا بمفردي بعدما أتسلل من القصر الخاص بي و أعود كذلك متسللا ..

-لكن ألا يوجد خطر على حياتك و أنت بمفردك هنا ؟

ابتسم الرجل و قال :

-يا مهند لا يعرف هذا المكان سوى قلة قليلة فقط .. أنت رأيت بنفسك كيف حال الطريق المؤدي إلى هنا ..

ارتعش جسد مهند قليلا من البرودة ثم قال :

-نعم .. أعرف ..

-حسنا .. كأس ويسكي أم كونياك ؟

-فلتجعله فودكا حتى أدفئ جسدي قليلا ..

-ذوق جيد .. كما تريد ..

انتهى الرجل من صب كأسين واحد له وواحد للخائن مهند الذي كانت عيناه تتطلعان لكل جزئية بسيطة بالمكان , بعدها أخذا يرتشفان بهدوء كعادة من أمثاليهما من كأسيهما و الرجل يقول :

-ما رأيك بالعملية بعدما انتهت ؟ ألم أخبرك أن كل شيء سيسير وفقا لإرداتي ؟

ارتسمت ابتسامة شيطانية على وجه مهند الذي قال :

-تصور سيدي أنهم لم يشكوا في ولو للحظة ! و أنا من قام بإستثارة فاروق ليدفع بنادر إلى الحلبة ..

-لكني أحب أن أشيد بجودة انتقائك لمن قام بالعملية ..

ألقى مهند ما تبقى من كأسه في جوفه ثم قام و أعاد ملئه وهو يقول :

-أعرف ذلك سيدي .. فنادر ليس كأي لص عادي .. حقيقة هو عبقري .. ولولا سقطته هنا لصار ذا شأن في الإجرام العالمي ..

-العالمي ؟!

قالها الرجل بدهشة فأجابه مهند قائلا :

-نعم .. إنك لا تعرف دهاءه .. ما قام به في تلك العملية يبرهن على مدى قوة ذكائه و نظرته العميقة للأمور ..

-حقيقة لم أكن أتخيل وجود شخص مثله قادر على سرقة البنك بتلك الدقة و البراعة ..

-لكن أتعرف سيدي

قالها مهند و اتجه بزجاجة الفودكا الثقيلة في يمناه و الكأس في يسراه نحو المقعد الفاخر ليجلس أمام سيده و يتابع قائلا :

-لوهلة ظننت أنه لن يقدر على فعلها ..

-لم ؟

-لأنك سيدي أحكمت فعلا الأمان لديك في البنك ..

-نعم .. لكن لا تنسَ أنني جعلت الطابق الثاني عشر و العاشر خاليان تماما من الحراس في فترة السرقة ..

-نعم وتلك نقطة تحسب لك حقا .. فبذلك قد مهدت له الطريق .. لكن أيضا الأمر كان صعبا .. أنا حاولت التفكير مرارا في طريقة لإختراق دفاعات بنكك لكني فشلت ..

-هذا لأنك لست نادر ..

ابتسم مهند وهو يرتشف جرعة جديدة من كأسه ثم قال :

-جيد أنني لست نادر .. و إلا لما كنت جالسا ها هنا معك نتسامر حول ما حدث ..

ضحكا بصوت عالي على كلمات مهند , و بدت أن الخمر قد أثقلت عقليهما نوعا , حينها تسائل مهند :

-ولكن هل سيتم إثبات أن نادر هو من قام بالسرقة ؟

-نعم ..

قالها السيد و ارتشف من كأسه ثم عاود الحديث شارحا :

-بالطبع الأدلة القائمة عليه ليست قوية طبعا .. لأنه أحكم العملية حقا .. ولا دليل يدينه سوى أن صديقه تربطه عملية خطأ غريبة بالبنك .. و هو متورط في مقتل صديقه ذاك .. لكن صدقني .. لن تجد الشرطة سواه كمتهم توجه إليه إتهاماتها .. فحينها ستصبح الأدلة تلك أدلة دامغة ..

صمتا بعدها حينما شعرا بوجود طرق على الباب .. بعد لحظات صمت و ترقب صدرت طرقات أخرى .. نظر مهند لسيده وهو يقول :

-هل تنتظر أحدا غيري ؟

-لا .. غريب أن يكون هناك من يطرق هكذا .. يبدو أنه شحاذ ..

نظر مهند بريبة و عدم ثقة نحو سيده الذي قام و ضغط على زر في الجوار و قال :

-من هناك ؟!

-أنا الحاج إسلام سيدي ..

-حاج إسلام ..

ظل السيد لبرهة قصيرة يفكر ثم التمعت عيناه .. لقد تذكره .. الخمر لعبت برأسه قليلا لكنه تذكره .. ما الذي أتى به إلى هنا ..

-فلتدخل في سرعة ..

قالها السيد و اتجه صوب الباب في عصبية , حينها شعر مهند أن هناك شيء خطأ .. فوقف و ترك الزجاجة على منضدة بالمكان و إن لم يتخلَ عن الكأس بعد , بعد لحظات ظهر رجل سمين قصير ذو كرش يتدلى من امامه يرتدي جلبابا ثقيلا صوفيا ذي لون بني , ما إن رآه مهند حتى تمتم في دهشة :

-حاج إسلام ذي الأصابع الذهبية ..

نظر السيد له فقال مهند في سرعة :

-من لا يعرف الحاج .. إنه علامة في مجاله ..

لكن السيد لم يبدِ أي اهتمام بالأمر , فهناك شيء آخر يشغله .. نظر السيد إليه و قال :

-ما الذي جاء بك إلى هنا ؟! ألم تأخذ حصتك من العملية ؟!

-ما تلك المقابلة السخيفة منك .. أتطلبني في عجالة و تسألني أن أحضر النماذج الأصلية التي استخدمتها لتزييف اوراقك و في النهاية تستقبلني هكذا ؟ كي..

-ماذا تقول ؟!

قالها السيد مزمجرا في حين ارتعدت فرائص مهند .. هناك أمر مريب يجري هنا , ما إن حاول السيد الركض خارجا من الباب حتى اندفع صوت جهوري يقول :

-توقف سيد كامل .. توقفوا جميعا عن الحركة و لترفعوا أيديكم للاعلى فورا ..

كاد كامل يتجاهل التحذير لولا أن ظهرت مجموعة عساكر متدافعة من الباب المفتوح لقصره .. تراجع في ذهول و هو يشعر أن الكون يدور و يدور حوله .. في حين امتلأ المكان في غضون لحظات بقرابة قسمي شرطة كاملين , تقدم الضابط المسئول عن العملية من كامل الذي ذاغت عينيه من هول ما يراه و قال في بطء :

-أنت مخطئ سيد كامل .. لدينا متهم جديد .. لدينا أنت ..

لم يشعر كامل بجسده سوى وهو يصرخ :

-مستحيل .. مستحيل .. لا يمكن .. كيف ؟ كيف ؟ أنا .. أنتم تقبضون علي أنا ؟ أنا كامل .. أنا صاحب البنك .. أنا صاحب الأموال الغزيرة .. تقبضون علي أنا ؟ كيف ؟ لا .. اطلبوا لي وزير الداخلية .. لا .. بل اطلبوا لي الرئيس نفسه ..

تحرك الضابط ليمسك بمعصمي كامل المنهار و ألبسه السوار الحديدي و هو يقول :

-لن ينفعك أحد .. أتظن أنك بأموالك قد تشتري ذمم الناس و تدمر العدالة ؟ كم أشعر بالشفقة على أمثالك .. خذوهم .. هيا ..

تحرك العساكر و الضباط يوجهون الثلاثة و معهم خمسة من رجال كامل كانوا رابضين بالقصر يراقبونه , في حين ملأ كامل الدنيا صراخا بصوته و مهند بعويله على ورطته , أما الحاج إسلام المزور فقد ظل يصرخ مرتديا ثوب البراءة , لكن هيهات , فأحد الضباط يحمل حقيبته التي تحوي على النماذج الأصلية لما قام بتزويره .. يتبقى فقط شيء واحد ..

-تمام يا فندم .. لقد وجدنا الأموال المزورة بالأسفل ..

قالها العسكري وهو يشير نحو القبو في القصر , ابتسم الضابط و تمتم في داخله :

-ستكون تلك ضربة الموسم .. حقيقة ربما أحصل على ترقيتين استثنائيتين .. إنها من حقي فعلا ..

ثم استدار نحو أحد الضباط العاملين تحت يده و قال آمرا :

-لتقوموا بتحميل ما هو موجود بالأسفل و تدوينه بالضبط .. هيا ..

-سمعا و طاعة سيدي ..

تحرك الضابط بعدما أدى التحية العسكرية و معه عساكره الخاصة في الوقت الذي رفع الضابط جهاز اللاسلكي الخاص به و تحدث فيه :

-إلى القيادة .. إلى القيادة .. لقد تم حل العملية .. الجناة في طريقهم إلى قسم الدقي .. التفاصيل حين أعود ..

ثم أغلق الجهاز بعدما سمع تأكيدا من الطرف الآخر متيقنا أنه سيتم كتابة ورقة بالخبر و إرسالها إلى كافة الأطراف البوليسية و السياسية بالدولة , أخذ نفسا عميقا ثم زفره ببطء .. كانت قضية متعبة حقيقة .. ولولا هذا المجهول لما استطاع الوصول لهم .. لكن ليس عليه أن يخبر أحدا عن هذا المجهول .. و إلا سيأخذون منه بعضا من التكريم .. يجب أن يأخذ التكريم كله بمفرده .. إنها فرصة العمر حقا .. ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه ثم تذكر أمرا فالتفت إلى أحد الضباط الواقفين و قال له آمرا :

-لتحضر فورا خبير التزييف .. نريد أن نغلق كافة الطرق التي يمكن أن يخرجوا منها .. هيا ..

-سمعا و طاعة سيدي ..

تحرك الضابط في سرعة منفذا أوامر رئيسه , الذي كان في أسعد حالاته و أفضلها على الإطلاق .. ربما لم يمر بمثلها سوى حين علم أنه قد نجح في الثانوية العامة .. يا له من شعور ..

-صدقني .. سيدي .. لا أعرف شيئا عما تقول ..

-ماذا تعني ؟

-لقد جاؤوا و اقتحموا منزلي ولم أشاهد ما أخذوه من القصر قط فقد كبلوني و رموني في السجن فورا ..

كانت هذه هي الإجابة التي يجيبها كامل على أسئلة ضابط التحقيق , أما مهند فقد التزم الصمت التام محاولا أن يتجنب أية كلمة قد تودي به إلى الهاوية , في حين يستمر الحاج إسلام على إنكاره لما يتهمونه .. ينكر علاقته بتلك الحقيبة التي أرغموه أن يمسكها عنوة .. أما في داخلهم جميعا فلازال السؤال الأضخم بارزا عليهم .. من فعل بهم ذلك ؟ وكيف ؟

-لكن ما قولك أن لدينا شهودا موثوق فيهم وهم الضباط و العساكر في المكان , و إضافة لذلك شهادة العاملين لديك و الذين أمسكنا بهم في قصرك ..

-كذابون .. كلهم كذابون .. مؤكد أن منافس لي قد اشتراهم .. نعم .. هذا هو ..

-حاذر .. أنت هكذا تتهم ضابط شرطة بشهادة زور .. لا تتمادى و إلا أضفت إتهاما إليك ..

ابتلع كامل بقية ريقه في صعوبة في حين صدرت ضربات خافتة على الباب ليظهر عسكري أدى التحية العسكرية ثم قال في احترام :

-المحامي سيد الراشيب يقف بالخارج يطلب الإذن بالدخول ..

أخذ الضابط البطاقة من العسكري ونظر إليها متفحصا الاسم .. أحد أكبر المحامين في مصر على باب حجرته , فابتسم في داخله ابتسامة سخرية .. بالفعل أغلبهم كاذبون .. ثم قال :

-فلتدعه يدخل ..

-حسنا سيدي .. تفضل ..

قالها العسكري مفسحا الطريق لمحامي ذو نظرات ثاقبة دخل و قال في الوقت الذي خرج في العسكري :

-المحامي سيد الراشيب حاضر عن المتهمين الثلاثة ..

-الثلاثة ؟

قالها الضابط بسخرية و استخفاف .. الحقيقة أنه يعلم جيدا أن الدفاع عن الثلاثة يعني ربطهم جميعا بسلة واحدة .. لهذا الدفاع عن واحد منهم أفضل , لكن لو فعل ذلك فسيشعر الأخران بالغدر من كامل و سيفشيان ما حدث بالتفصيل مخافة أن تقع الهرواة على رأسيهما فقط .. حينها اضطر سيد أن يكون حاضرا عن الاثنين معا ..

مرت ساعات من الاستجوابات المريرة و الصعبة , و رويدا رويدا ضاق الخناق أكثر على من معه .. فكل لحظة تظهر حقيقة أخرى .. أو تضارب أقوال .. ومع رفض الضابط أن يتركهم الليلة للراحة و يتابع معهم في الصباح نظرا لأهمية القضية صارت الأمور صعبة أكثر .. و ما زاد الطين بلة أن الحوار الذي دار بين كامل و مهند و كذلك إسلام قد سمعه ما يزيد عن مائتي عسكري و عشرون ضابطا .. وهو يدرك جيدا أن شهادة ضابط واحد تكفي .. ناهيكم عن وجود العمال الذين اعترفوا بما حدث .. و هو يعلم الآن أن الضباط يقومون بالبحث عن أمن البنك كي يستجوبونهم بقوة و قسوة .. و هو يدرك جيدا أن مجرد سماع خبر القاء القبض على موكله فسيخر الجميع بما حدث .. شعر كامل و من معه بسوء موقفهم .. لكن لم يكن بيدهم أن يفعلوا شيء .. فكل لحظة الخناق يضيق و يضيق حتى شعروا بأنفاسهم تكاد تختنق داخلهم .. بعدما انتهى الضابط من التحقيق و كانت الساعة قد وصلت إلى الثامنة صباحا بعد ليلة ثقيلة مليئة بالأحداث , حينها طلب المحامي أن يتحدث مع موكليه لدقائق , فمنحه الضابط عشرا في الحجرة المجاورة , ثم قال :

-لتحضروا لي نادر ..

نظر الثلاثة نحو بعضهم البعض .. ثم نحو الضابط .. نادر .. هذا الذي سرق البنك حقا .. هل سيطلق سراحه ؟ لم يقفوا طويلا فقد دفعهم العسكر نحو الحجرة المجاورة .. حينها قابلوه .. نادر .. يتحرك و عينيه معروفتين بكدمتين ضخمتين زرقاوتين و جسد دامي .. توقف نادر للحظات يحدق في أعينهم و ابتسامة ساخرة على وجهه .. توقفوا متسمرين محدقين نحوه غير مصدقين .. هل يكون هو من أوقع بهم ؟ لكن كيف ؟

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع ..

الفصل الثاني عشر ..

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثاني عشر ..

إلقاء القبض على نادر ..

تحرك نادر في سرعة قصوى قدر ما تسمح به سيارته السريعة و حالة الطريق , لم تمر نصف ساعة حتى كان في الشارع المؤدي لعمارة يقطن فيها صديقه و أسرته .. توقف بالسيارة بعيدا قليلا ثم هبط منها بحذر , كان الشارع مليء كالعادة بالسيارات و المشاة من كل الأصناف , تلفت نادر حوله متسائلا إن كان صديقه و أسرته يسيرون مع أي منهم مبتعدين عنه يسحبون ذيول الخزي و العار و الخيانة , نظر نحو الأعلى حيث الطابق الخامس , و الشقة التي تطل على الشارع وجد النور يلمع فيها , لمعت عيناه لوهلة و تلاعبت دقات قلبه من فرط تضارب مشاعره , لكنه أخذ قراره في قوة و تحركت قدماه نحو الأمام يبغي عبور الشارع , ما إن هبط بيمناه على الأرض حتى ومض شيء كالبرق و صوت عال مدوي كالرعد اندفعا من نقطة واحدة .. من الطابق الخامس .. سقط نادر من قوة الانفجار مرتطما بسيارته التي أطلقت نفيرها التحذيري , أما هو فقد وقف بعد لحظات من الانفجار شاعرا أن كل خلية من جسده توشك على الصراخ .. اتجه في سرعة راكضا وسط الطريق الممتلئ بالسيارات و المشاة المتوقفين يتفرجون على ما قد حدث منذ لحظات , تسمر نادر أمامه حين شعر أن صديقه و أسرته ربما كانا بالأعلى .. لقد شاهد الضوء .. لقد شاهد النور .. لقد ماتا حقا ..

-اللعنة .. ماذا يحدث لي ..

قالها نادر وهو يتحرك بسيارته مبتعدا عن المكان و جسده كله ينتفض من فرط ما مر به من تجارب عصيبة في وقت قصير , لكن في داخله برز التساؤل الأهم .. من فعل هذا بهم جميعا .. من ؟

*******************

-مرحبا سيدي ..

-مرحبا بك .. كيف الأخبار ؟

-لقد اكتشفوا تزوير الأوراق .. و تم إلقاء اللوم على فاروق بقيامه بخداعهم ..

-جيد .. هذا يعني أنهم لم يكشفوك يا خبيث ؟

-لا سيدي .. لقد تحركت بينهم أبث فيهم روح العداء حتى انتهى الحال نحو فاروق ..

-رائع .. وماذا تريد بعد ذلك ؟

-أعتقد أنني قمت بدوري في العملية كما رغبت سيدي .. و أعتقد أن خادمك المطيع يستحق مكافأة منك ..

-حسنا .. لكني لن أكافئك حتى يتم القبض على نادر بتهمة سرقة بنكي .. هذا الأبله ..

-لكن كيف سيتم القبض عليه سيدي ؟

-لا تقلق .. ساتكفل أنا بذلك .. انتظر مني مكاملة بعد القبض على نادر أخبرك فيها بموعد مقابلتنا لتأخذ حصتك من الكنز ..

ابتسم الطرفان و هما سعيدان بما آلت إليه الأمور أخيرا .. و أغلق كل منهما الخط منتظران بداية مرحلة جديدة من العملية ..

**************************

ظل ناد يتحرك بسيارته لا يدري أين يذهب , فوجد نفسه قد توقف عند المكان الذي اعتاد فيه أن يتحدث مع فاروق عن عملياتهما السابقة , أخذت الذكريات تتدافع في عقله المشحون بضغوط رهيبة , ود لو استطاع العودة لزوجته و النوم بين أحضانها يبكي , لكنه تمالك أعصابه , لا يجب عليها أن تراه وهو في مثل تلك الحالة المزرية , وسط كل هذه المشاعر كانت فكرة أنه قد تم خداعه تحرق ذهنه , كيف وقع بكل تلك السهولة ؟ المطمئن في الأمر أنهم لا يملكون ضده أي دليل إدانة , لكن من له اليد في فعل كل هذا ؟ انتبه بغتة على رنين هاتفه الخاص , رفعه فوجد رقم سبيل عليه , تنهد .. جيد أن هناك من يزال يفكر فيه .. ضغط زر الإجابة و قال:

-كيف حالك الآن سبيل ؟

-ما الذي قمت به يا أبله !

صرخت في وجهه وهي ثائرة بصورة استفزت عضلاته في حين تابعت صراخها قائلة :

-أتقتل صديقك ؟ أتقتل فاروق ؟ ماذا إن كان بريئا ؟ لم أتخيلك هكذا .. كلا .. أنت مخطئ حقا ..

جز نادر على أسنانه و قال في جدية :

-لم أقتل فاروق .. ماذا حدث ؟!

فلتفتح التلفاز و تشاهد صورتك على الشاشة .. مهند بجواري يقول لك أنت من أوقع نفسه بنفسه .. لا توقعنا معك .. أفهمت ..

قبل أن يكون قادرا على الرد عليها أغلقت السماعة في وجهه , تسمر في مكانه للحظات قبل أن يستوعب عقله كل شيء .. لقد تم قتل فاروق .. وتم إلباس التهمة له .. يا للموقف الرائع .. كل لحظة يتعقد أكثر و أكثر .. أدار مفتاح تشغيل سيارته و انطلق في سرعة مخترقا شوارع ضواحي القاهرة في الوقت الذي غادر مهند شقة سبيل بعدما أكد عليها ضرورة عدم جعل نادر يتحدث عن أي منهم , راقبته سبيل بعينين حمراوتين بحنق شديد , لقد جاء فقط كي يخبرها بذلك و يرحل .. لكنها استدارت لتنظر في ساعتها و تتمتم لنفسها :

-لقد اقترب الوقت يا نادر ..

كان الأخير في سيارته السريعة يجتاز شوارع القاهرة في سرعة حتى وصل إلى محل بيع أجهزة كهربائية حيث يعمل التلفاز فيها طول الوقت تقريبا , حينها رأى مذيعة إحدى القنوات الفضائية تتحدث بصوت لا يسمعه ثم ظهرت صورة صديقه في أعلى يمين الشاشة في مربع صغير و اختفت صورة المذيعة لتظهر مكانها صورة حية من عمارة صديقه التي انفجرت و بعدها اختفى هذا كله و ظهرت صورته و عليها كلمة :

-مطلوب القبض عليه !

ما إن قرأها حتى شعر بالحرارة تسري في كافة أنحاء جسده , كاد يدير محرك سيارته مجددا لولا أن شاهد يدا تضرب على زجاج نافذته و ضابط مرور يقف بجواره اثنين من زملائه و أمام السيارة دراجتين ناريتين تسدان عليه الطريق .. لقد تم الإيقاع به !

**********************************

-مرحبا

-مرحبا سيدي .. رائع . .لقد شاهدت الأخبار ..

-نعم .. ألم أقل لك .. دع الأمور المعقدة لي .. فقط تحرك كما أخبرك ..

-وماذا علي أن أفعل الآن ؟

-ماذا تعني ؟

-أرغب بمكافئتي سيدي ..

-لا تقلق .. تعالى إلي غدا في تمام الساعة الثامنة ليلا ..

-أين ؟

-في هذا العنوان .. المقطم .. فيلا 253 , شارع الأسوطي .. لا تتأخر ..

-لا تقلق سيدي .. أنا بانتظار مكافئتي على أحر من الجمر ..

*********************************

-صدقني سيدي .. أنا لم أقتل صديقي .. ولم أسرق البنك الذي تتحدثون عنه !

-كاذب !

قالها الضابط مصاحبة بصفعة قلم شديدة القوة من أحد الماسكين بنادر في قسوة , ابتلع نادر بعض قطرات الدم في صعوبة و الضابط يعيد صياغة الأحداث قائلا :

-لقد اتفقتما أنت و صديقك على سرقة البنك .. هناك حادثة مسجلة لصديقك بوجود خطأ في تحويل مبلغ نقدي من شخص وهمي له من البنك .. كذلك وجدنا أدلة في شقة