بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الثالث عشر
القبض على الجناة الحقيقيين ..
أخذت نسائم الليل الباردة تهب على الأنحاء مسببة ارتعاشة في جسد كل مارٍ بالطريق , و هناك الكثيرين في بعض الطرقات .. و هناك القليلين في البعض الآخر .. و هناك نوع خاص لا يسير فيه أي شخص .. إلا ما ندر .. و الليلة مرت قدمان بصورة سريعة عصبية بين الطرقات النادرة المسير , يتلفت صاحبها كل فترة خلفه و حوله ظنا منه أن هناك من يتبعه , ثم بعدما يتيقن من انفراديته بالطريق يتابع في سرعة و عصبية , ظل هكذا فترة نصف ساعة يخطو في الطريق الموحش حتى توقف و هو يحدق في لوحة رخامية كبيرة مزروعة داخل سور كبير يحيط بقصر مشيد .. قرأ الكلمات المكتوبة على اللوحة و ابتسم .. إنه المراد حقا .. حينها مد يده صوب الجرس و ضغط عليه , انتظر وهلة قبل أن يأتيه صوت معدني نوعا يقول :
-من هناك ؟!
-لدي موعد معك سيدي ..
-جيد .. وصلت في موعدك بالضبط .. أحترم من يحترم مواعيده .. فلتتفضل ..
ما إن أنهى جملته حتى صدرت تكة معدنية فُتحت بوابة القصر الضخمة على إثرها , لم يدخل الشخص فورا إنما ظل يتلفت حوله للحظات قبل أن يحكم قبضته على ضرفتي معطفه الثقيل ليتحرك في سرعة و عصبية كعادته منذ بدء الطريق , صعد درجات السلم الرخامية و دلف عبر الباب الذي وجده مفتوحا حين دفعه بيمناه , سار عبر الردهة الفخمة و أخذته الزخرفة المعمارية الرائعة بالمكان للحظات قبل أن يلحظ وجود سيده أمامه ..
-مرحبا بك سيدي ..
-مرحبا بك مهند ..
ابتسم الرجل وهو يصافح عميله الدفين بحرارة , ثم قال :
-تفضل .. كنت بانتظارك ..
نظر مهند حوله وقال :
-لكن لماذا لا أجد حولك الحراسة الثقيلة المعتادة ؟
ابتسم الرجل و قال :
-أنت تعرف جيدا أن هذا مخبئي , ولا يمكن أن أسمح للشرطة أن تعرفه قط , لهذا أحضر عادة إلى هنا بمفردي بعدما أتسلل من القصر الخاص بي و أعود كذلك متسللا ..
-لكن ألا يوجد خطر على حياتك و أنت بمفردك هنا ؟
ابتسم الرجل و قال :
-يا مهند لا يعرف هذا المكان سوى قلة قليلة فقط .. أنت رأيت بنفسك كيف حال الطريق المؤدي إلى هنا ..
ارتعش جسد مهند قليلا من البرودة ثم قال :
-نعم .. أعرف ..
-حسنا .. كأس ويسكي أم كونياك ؟
-فلتجعله فودكا حتى أدفئ جسدي قليلا ..
-ذوق جيد .. كما تريد ..
انتهى الرجل من صب كأسين واحد له وواحد للخائن مهند الذي كانت عيناه تتطلعان لكل جزئية بسيطة بالمكان , بعدها أخذا يرتشفان بهدوء كعادة من أمثاليهما من كأسيهما و الرجل يقول :
-ما رأيك بالعملية بعدما انتهت ؟ ألم أخبرك أن كل شيء سيسير وفقا لإرداتي ؟
ارتسمت ابتسامة شيطانية على وجه مهند الذي قال :
-تصور سيدي أنهم لم يشكوا في ولو للحظة ! و أنا من قام بإستثارة فاروق ليدفع بنادر إلى الحلبة ..
-لكني أحب أن أشيد بجودة انتقائك لمن قام بالعملية ..
ألقى مهند ما تبقى من كأسه في جوفه ثم قام و أعاد ملئه وهو يقول :
-أعرف ذلك سيدي .. فنادر ليس كأي لص عادي .. حقيقة هو عبقري .. ولولا سقطته هنا لصار ذا شأن في الإجرام العالمي ..
-العالمي ؟!
قالها الرجل بدهشة فأجابه مهند قائلا :
-نعم .. إنك لا تعرف دهاءه .. ما قام به في تلك العملية يبرهن على مدى قوة ذكائه و نظرته العميقة للأمور ..
-حقيقة لم أكن أتخيل وجود شخص مثله قادر على سرقة البنك بتلك الدقة و البراعة ..
-لكن أتعرف سيدي
قالها مهند و اتجه بزجاجة الفودكا الثقيلة في يمناه و الكأس في يسراه نحو المقعد الفاخر ليجلس أمام سيده و يتابع قائلا :
-لوهلة ظننت أنه لن يقدر على فعلها ..
-لم ؟
-لأنك سيدي أحكمت فعلا الأمان لديك في البنك ..
-نعم .. لكن لا تنسَ أنني جعلت الطابق الثاني عشر و العاشر خاليان تماما من الحراس في فترة السرقة ..
-نعم وتلك نقطة تحسب لك حقا .. فبذلك قد مهدت له الطريق .. لكن أيضا الأمر كان صعبا .. أنا حاولت التفكير مرارا في طريقة لإختراق دفاعات بنكك لكني فشلت ..
-هذا لأنك لست نادر ..
ابتسم مهند وهو يرتشف جرعة جديدة من كأسه ثم قال :
-جيد أنني لست نادر .. و إلا لما كنت جالسا ها هنا معك نتسامر حول ما حدث ..
ضحكا بصوت عالي على كلمات مهند , و بدت أن الخمر قد أثقلت عقليهما نوعا , حينها تسائل مهند :
-ولكن هل سيتم إثبات أن نادر هو من قام بالسرقة ؟
-نعم ..
قالها السيد و ارتشف من كأسه ثم عاود الحديث شارحا :
-بالطبع الأدلة القائمة عليه ليست قوية طبعا .. لأنه أحكم العملية حقا .. ولا دليل يدينه سوى أن صديقه تربطه عملية خطأ غريبة بالبنك .. و هو متورط في مقتل صديقه ذاك .. لكن صدقني .. لن تجد الشرطة سواه كمتهم توجه إليه إتهاماتها .. فحينها ستصبح الأدلة تلك أدلة دامغة ..
صمتا بعدها حينما شعرا بوجود طرق على الباب .. بعد لحظات صمت و ترقب صدرت طرقات أخرى .. نظر مهند لسيده وهو يقول :
-هل تنتظر أحدا غيري ؟
-لا .. غريب أن يكون هناك من يطرق هكذا .. يبدو أنه شحاذ ..
نظر مهند بريبة و عدم ثقة نحو سيده الذي قام و ضغط على زر في الجوار و قال :
-من هناك ؟!
-أنا الحاج إسلام سيدي ..
-حاج إسلام ..
ظل السيد لبرهة قصيرة يفكر ثم التمعت عيناه .. لقد تذكره .. الخمر لعبت برأسه قليلا لكنه تذكره .. ما الذي أتى به إلى هنا ..
-فلتدخل في سرعة ..
قالها السيد و اتجه صوب الباب في عصبية , حينها شعر مهند أن هناك شيء خطأ .. فوقف و ترك الزجاجة على منضدة بالمكان و إن لم يتخلَ عن الكأس بعد , بعد لحظات ظهر رجل سمين قصير ذو كرش يتدلى من امامه يرتدي جلبابا ثقيلا صوفيا ذي لون بني , ما إن رآه مهند حتى تمتم في دهشة :
-حاج إسلام ذي الأصابع الذهبية ..
نظر السيد له فقال مهند في سرعة :
-من لا يعرف الحاج .. إنه علامة في مجاله ..
لكن السيد لم يبدِ أي اهتمام بالأمر , فهناك شيء آخر يشغله .. نظر السيد إليه و قال :
-ما الذي جاء بك إلى هنا ؟! ألم تأخذ حصتك من العملية ؟!
-ما تلك المقابلة السخيفة منك .. أتطلبني في عجالة و تسألني أن أحضر النماذج الأصلية التي استخدمتها لتزييف اوراقك و في النهاية تستقبلني هكذا ؟ كي..
-ماذا تقول ؟!
قالها السيد مزمجرا في حين ارتعدت فرائص مهند .. هناك أمر مريب يجري هنا , ما إن حاول السيد الركض خارجا من الباب حتى اندفع صوت جهوري يقول :
-توقف سيد كامل .. توقفوا جميعا عن الحركة و لترفعوا أيديكم للاعلى فورا ..
كاد كامل يتجاهل التحذير لولا أن ظهرت مجموعة عساكر متدافعة من الباب المفتوح لقصره .. تراجع في ذهول و هو يشعر أن الكون يدور و يدور حوله .. في حين امتلأ المكان في غضون لحظات بقرابة قسمي شرطة كاملين , تقدم الضابط المسئول عن العملية من كامل الذي ذاغت عينيه من هول ما يراه و قال في بطء :
-أنت مخطئ سيد كامل .. لدينا متهم جديد .. لدينا أنت ..
لم يشعر كامل بجسده سوى وهو يصرخ :
-مستحيل .. مستحيل .. لا يمكن .. كيف ؟ كيف ؟ أنا .. أنتم تقبضون علي أنا ؟ أنا كامل .. أنا صاحب البنك .. أنا صاحب الأموال الغزيرة .. تقبضون علي أنا ؟ كيف ؟ لا .. اطلبوا لي وزير الداخلية .. لا .. بل اطلبوا لي الرئيس نفسه ..
تحرك الضابط ليمسك بمعصمي كامل المنهار و ألبسه السوار الحديدي و هو يقول :
-لن ينفعك أحد .. أتظن أنك بأموالك قد تشتري ذمم الناس و تدمر العدالة ؟ كم أشعر بالشفقة على أمثالك .. خذوهم .. هيا ..
تحرك العساكر و الضباط يوجهون الثلاثة و معهم خمسة من رجال كامل كانوا رابضين بالقصر يراقبونه , في حين ملأ كامل الدنيا صراخا بصوته و مهند بعويله على ورطته , أما الحاج إسلام المزور فقد ظل يصرخ مرتديا ثوب البراءة , لكن هيهات , فأحد الضباط يحمل حقيبته التي تحوي على النماذج الأصلية لما قام بتزويره .. يتبقى فقط شيء واحد ..
-تمام يا فندم .. لقد وجدنا الأموال المزورة بالأسفل ..
قالها العسكري وهو يشير نحو القبو في القصر , ابتسم الضابط و تمتم في داخله :
-ستكون تلك ضربة الموسم .. حقيقة ربما أحصل على ترقيتين استثنائيتين .. إنها من حقي فعلا ..
ثم استدار نحو أحد الضباط العاملين تحت يده و قال آمرا :
-لتقوموا بتحميل ما هو موجود بالأسفل و تدوينه بالضبط .. هيا ..
-سمعا و طاعة سيدي ..
تحرك الضابط بعدما أدى التحية العسكرية و معه عساكره الخاصة في الوقت الذي رفع الضابط جهاز اللاسلكي الخاص به و تحدث فيه :
-إلى القيادة .. إلى القيادة .. لقد تم حل العملية .. الجناة في طريقهم إلى قسم الدقي .. التفاصيل حين أعود ..
ثم أغلق الجهاز بعدما سمع تأكيدا من الطرف الآخر متيقنا أنه سيتم كتابة ورقة بالخبر و إرسالها إلى كافة الأطراف البوليسية و السياسية بالدولة , أخذ نفسا عميقا ثم زفره ببطء .. كانت قضية متعبة حقيقة .. ولولا هذا المجهول لما استطاع الوصول لهم .. لكن ليس عليه أن يخبر أحدا عن هذا المجهول .. و إلا سيأخذون منه بعضا من التكريم .. يجب أن يأخذ التكريم كله بمفرده .. إنها فرصة العمر حقا .. ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه ثم تذكر أمرا فالتفت إلى أحد الضباط الواقفين و قال له آمرا :
-لتحضر فورا خبير التزييف .. نريد أن نغلق كافة الطرق التي يمكن أن يخرجوا منها .. هيا ..
-سمعا و طاعة سيدي ..
تحرك الضابط في سرعة منفذا أوامر رئيسه , الذي كان في أسعد حالاته و أفضلها على الإطلاق .. ربما لم يمر بمثلها سوى حين علم أنه قد نجح في الثانوية العامة .. يا له من شعور ..
-صدقني .. سيدي .. لا أعرف شيئا عما تقول ..
-ماذا تعني ؟
-لقد جاؤوا و اقتحموا منزلي ولم أشاهد ما أخذوه من القصر قط فقد كبلوني و رموني في السجن فورا ..
كانت هذه هي الإجابة التي يجيبها كامل على أسئلة ضابط التحقيق , أما مهند فقد التزم الصمت التام محاولا أن يتجنب أية كلمة قد تودي به إلى الهاوية , في حين يستمر الحاج إسلام على إنكاره لما يتهمونه .. ينكر علاقته بتلك الحقيبة التي أرغموه أن يمسكها عنوة .. أما في داخلهم جميعا فلازال السؤال الأضخم بارزا عليهم .. من فعل بهم ذلك ؟ وكيف ؟
-لكن ما قولك أن لدينا شهودا موثوق فيهم وهم الضباط و العساكر في المكان , و إضافة لذلك شهادة العاملين لديك و الذين أمسكنا بهم في قصرك ..
-كذابون .. كلهم كذابون .. مؤكد أن منافس لي قد اشتراهم .. نعم .. هذا هو ..
-حاذر .. أنت هكذا تتهم ضابط شرطة بشهادة زور .. لا تتمادى و إلا أضفت إتهاما إليك ..
ابتلع كامل بقية ريقه في صعوبة في حين صدرت ضربات خافتة على الباب ليظهر عسكري أدى التحية العسكرية ثم قال في احترام :
-المحامي سيد الراشيب يقف بالخارج يطلب الإذن بالدخول ..
أخذ الضابط البطاقة من العسكري ونظر إليها متفحصا الاسم .. أحد أكبر المحامين في مصر على باب حجرته , فابتسم في داخله ابتسامة سخرية .. بالفعل أغلبهم كاذبون .. ثم قال :
-فلتدعه يدخل ..
-حسنا سيدي .. تفضل ..
قالها العسكري مفسحا الطريق لمحامي ذو نظرات ثاقبة دخل و قال في الوقت الذي خرج في العسكري :
-المحامي سيد الراشيب حاضر عن المتهمين الثلاثة ..
-الثلاثة ؟
قالها الضابط بسخرية و استخفاف .. الحقيقة أنه يعلم جيدا أن الدفاع عن الثلاثة يعني ربطهم جميعا بسلة واحدة .. لهذا الدفاع عن واحد منهم أفضل , لكن لو فعل ذلك فسيشعر الأخران بالغدر من كامل و سيفشيان ما حدث بالتفصيل مخافة أن تقع الهرواة على رأسيهما فقط .. حينها اضطر سيد أن يكون حاضرا عن الاثنين معا ..
مرت ساعات من الاستجوابات المريرة و الصعبة , و رويدا رويدا ضاق الخناق أكثر على من معه .. فكل لحظة تظهر حقيقة أخرى .. أو تضارب أقوال .. ومع رفض الضابط أن يتركهم الليلة للراحة و يتابع معهم في الصباح نظرا لأهمية القضية صارت الأمور صعبة أكثر .. و ما زاد الطين بلة أن الحوار الذي دار بين كامل و مهند و كذلك إسلام قد سمعه ما يزيد عن مائتي عسكري و عشرون ضابطا .. وهو يدرك جيدا أن شهادة ضابط واحد تكفي .. ناهيكم عن وجود العمال الذين اعترفوا بما حدث .. و هو يعلم الآن أن الضباط يقومون بالبحث عن أمن البنك كي يستجوبونهم بقوة و قسوة .. و هو يدرك جيدا أن مجرد سماع خبر القاء القبض على موكله فسيخر الجميع بما حدث .. شعر كامل و من معه بسوء موقفهم .. لكن لم يكن بيدهم أن يفعلوا شيء .. فكل لحظة الخناق يضيق و يضيق حتى شعروا بأنفاسهم تكاد تختنق داخلهم .. بعدما انتهى الضابط من التحقيق و كانت الساعة قد وصلت إلى الثامنة صباحا بعد ليلة ثقيلة مليئة بالأحداث , حينها طلب المحامي أن يتحدث مع موكليه لدقائق , فمنحه الضابط عشرا في الحجرة المجاورة , ثم قال :
-لتحضروا لي نادر ..
نظر الثلاثة نحو بعضهم البعض .. ثم نحو الضابط .. نادر .. هذا الذي سرق البنك حقا .. هل سيطلق سراحه ؟ لم يقفوا طويلا فقد دفعهم العسكر نحو الحجرة المجاورة .. حينها قابلوه .. نادر .. يتحرك و عينيه معروفتين بكدمتين ضخمتين زرقاوتين و جسد دامي .. توقف نادر للحظات يحدق في أعينهم و ابتسامة ساخرة على وجهه .. توقفوا متسمرين محدقين نحوه غير مصدقين .. هل يكون هو من أوقع بهم ؟ لكن كيف ؟
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــع ..